الشيخ السبحاني
202
بحوث في الملل والنحل
الأحاديث الكريمة نعرف من الحقيقة أنصعَها ويتجلّى من أعماق الأصداف لؤلؤها ، وانّ تلك الشخصية الشامخة على سبب وثيق من معادن الحقّ ، وذات كرامة قدسية تهبط من الملأ الأعلى ، وأنّ الأئمة الهداة يتفألون من غرة تلك النهضة الهاشمية أن يعود الحقّ إلى نصابه ، وهي القوة التي تتحطم بها هياكل الباطل وتعقد عليها الآمال ، وهي التي أظهرت مظلومية الأئمة ، ومثّلت للملأ أحقيتهم بالخلافة ، من غيرهم ذوي الأطماع وأرباب الشهوات ، وانكشف لنا بكل وضوح امتثاله أمر الإمام في نقض دعائم الإلحاد وتبديد جيش الظلم والباطل ، وتفريق جماهير الشرك وأحزاب الضلال ، وعبدة المطامع والأهواء ، خصوصاً إذا قرأنا قول الباقر عليه السلام : « ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه » وقول الصادق عليه السلام : « إذا دعاكم فأجيبوه وإذا استنصركم فانصروه » وقوله : « أشركني اللَّه في تلك الدماء » وقوله عندما سئل عن مبايعته : « بايعوه » وقوله : « خرج على ما خرج عليه آباؤه » وقوله : « برئ اللَّه ممن تبرّأ من عمي زيد » . فإنّ هذه الأحاديث تدلنا على أنّه لم يقصد إلّا إصلاح أُمّة جده صلى الله عليه وآله وسلم ولم يدع إلّا إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة . وهناك جملة أُخرى من الأحاديث حكت لنا مقايسة الإمام عليه السلام شهادة زيد بالشهداء الذين استشهدوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والحسين عليهما السلام وقد استشهد هنالك رجال كانت لهم منازل عالية ومقامات رفيعة يغبطهم عليها جميع الشهداء ، وقد نال زيد بذلك التشبيه والمقايسة تلك المراتب العالية وحاز ذلك الشرف الباهر ، فحقيق إذاً إذا قال الباقر عليه السلام في دعائه : « اللهم اشدد أزري بزيد » ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « يأتي زيد وأصحابه يوم القيامة يتخطّون رقاب الناس غُرّاً محجلين يدخلون الجنّة بغير حساب ، وكانوا فرحين مسرورين بما أُوتي لهم من النعيم الدائم » « 1 » .
--> ( 1 ) . المقرم : زيد الشهيد : 59 .